‏إظهار الرسائل ذات التسميات Topic Somya. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات Topic Somya. إظهار كافة الرسائل

السبت، 26 نوفمبر 2011

الــــذاكـــــــرة ,,

بسم الله الرحمن الرحيم ،،




كيفكم آل أنميات ؟؟
إن شاء الله الكـــل بخيــــر ,,
المهم ,,
أنا كنت دايماً أفكر وشلون أفكر << غباء منقطع النظير
بمعنى انو عقلي كيف يشتغل ؟؟
وبحثت بالنت وبالكتب المهم اني حصلت على معلومات كثيرة ,,
وبالآخر لخصتها وقلت خليني أشارك آل أنميات فيها ,,
وهايني رتبتها لكم وبأبداها بهذا السؤال :

مـــــا الـــــذاكــــرة ؟؟!


يتضمن الأداء الطبيعي للذاكرة كلاً من التعلم والاستدعاء , ويتطلب نشاطاً سليماً لمناطق عديدة من المخ وخلايا المخ , أو العصبونات , الموجودة داخلها . ونحن نفكر في الذاكرة عموماً كمفهوم مجرد ؛ فكرة أو صورة أو إحساس أو شعور , وتكون مثل هذه الأشياء مخزنة في مكان ما في خزانة الملفات في المخ , جاهزة للاسترجاع عند الطلب . ولكن لأن المخ يتكون من خلايا عصبية ومواد كيميائية ونبضات كهربية , فإن الذاكرة في الواقع تشفر وتخزن وتسترجع نتيجة تفاعلات كيميائية وكهربية دقيقة .
<b>
لكل خلية عصبية في المخ محور عصبي مفرد يعمل مثل خط الهاتف ؛ فهو يوصل النبضات العصبية في اتجاه العصبونات المجاورة . و يستقبل العصبون المجاور مجموعة لا حصر لها من النبضات الكهربية المرسلة لها يومياً ، عن طريق التشعبات العصبية ، وهي خيوط رفيعة تمتد إلى الخارج مثل الهوائيات الصغيرة ، تستقبل المعلومات و ترسلها .
</b>

<b>
ولكي نتيح لكل عصبونات المخ أن تتواصل مع الأخريات , تشكل المحاور والتشعبات العصبية آلاف الفروع ، و ينتهي كل فرع في مشبك ، و هي نقطة اتصال متخصصة أو مستقبل يتعرف فقط على المعلومات بالغة النوعية التي تمرر بين العصبونات . ولكل عصبون نحو 100.000 مشبك .
</b>

<b>
والنبضات العصبية الكهربية التي تحتوي على المعلومات الجديدة أو الذكريات المسترجعة أو الرسائل المؤجلة تصيب محور العصبون وتنساب خلال واحدة من التشعبات العصبية الهزيلة إلى مشبك مفرط النوعية ، حيث تنطلق حزمة من الكيماويات تسمى الناقلات العصبية . وهذه الناقلا العصبية هي (( الحمام الزاجل )) الذي يقطع مسافة متناهية الصغر من مشبك إلى الذي يليه . وعند الوصول يتحد الناقل العصبي الكيميائي الصحيح مع المستقبِل المقابل وهكذا يتم استقبال الرسالة . وبهذه الطريقة تنتقل الآراء والأفكار وتُكتسب المعلومات وتُسترجع الذكريات , وكل منها يجعلنا نعمل أو نفكر أو نتصرف بطرق مختلفة .
</b>

<b>
وفي أي لحظة من لحظات يقظتنا ، فإن حواسنا تهاجم بوابل من المشاهد والأصوات وغيرها من المثيرات الأخرى التي تمر خلال الذاكرة العاجلة ، ثم تنتقل إلى منطقة للاحتفاظ بالمعلومات تسمى الذاكرة قصيرة الأجل . ونحن عادة ما نفقد الإحساسات السريعة في لحظات ، ومن القليل الذي يبقى في ذاكرتنا قصيرة الأجل نسبة ضئيلة فقط هي التي تجد طريقها لتختزن في الذاكرة طويلة الأجل .
</b>

<b>
ويعتبر تنظيم المعلومات وتكرارها أساساً ضرورياً لحفظها وقتاً أطول ، وهكذا نجعلها تجد طريقها إلى ذاكرتنا طويلة الأجل . ويحتاج بعض الناس جهداً كبيراً لتنمية هذه المهارات , بينما يولد آخرون ولديهم موهبة خاصة بأساليب التذكر لتدعيم المعلومات الجديدة وإدخالها في الذاكرة طويلة الأجل . وكثيراً ما يعتبر هؤلاء ذوي (( ذاكرات فوتوغرافية )) .
</b>

<b>
ومتى تم إيداع المعلومات في الذاكرة طويلة الأجل , فإنها تصبح ثابتة نسبياً ، ويمكن استدعاؤها ولو بعد ذلك بسنين ، طالما بقي المخ سليماً . وبينما تكون الذاكرة قصيرة الأجل ذات قدرة محدودة فقط ، فإن الذاكرة طويلة الأجل له قدرة على تخزين كميات هائلة من المعلومات . واسترجاع هذه المعلومات بعد ذلك أو استخراجها من مخزن الذاكرة (( يسمى الاستدعاء )) .
وحتى مرضى ألزهايمر (( الخرف )) المتقدم الذين يجدون مشقة في تذكر ما تناولوه اليوم في إفطارهم ، يستطيعون استدعاء حوادث قديمة ، ليلة عرسهم مثلاً ، في تفصيل مفعم بالحيوية .
</b>




(( صورة توضح طريقة التعلم والاستدعاء ))




ملاحظات :-
المعلومات من مصادر موثوقة ،،
بذلت جهدي بالموضوع وأتمنى أحصل تفاعل ،،

مدينة الشمآل [قصة قصيرة] .. من Somya ~

بسم الله الرحمن الرحيم ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
كيف أحوال مبدعي أنميات الأفاضل ؟..
ان شاء الله يكون الكل بخير حال ..


قمت بكتابة قصة قصيرة ..
قد لا يراها البعض كذلك
وها أنذا أطرحها بين أيديكم ..
أتمنى أن تقرؤوها ..

وأرجو أن تعجبكم ..

على فكرة .. هذه أول حكاية من تأليفي ..

نبدأ في القصة ....







عــام 1996 م

كان يوماً مشرقاً في أواخر أيام نيسان الرائعة ، وفي المدينة الشمالية ، المعروفة بأحياءها الراقية ، والمنازل الرائعة ، ذات التصاميم الجميلة .

داخل أحد تلك المنازل ، و بجانب المسبح الصغير الذي يأخذ شكل البيضة ، جلست الفتاة الصغيرة جنباً إلى جنب مع جدها الشيخ الكبير .

على الرغم من سنها الصغير ، إلا أنها تحب الاستماع إلى أحاديث جدها .. وعلى الرغم من أنه لم يكن يقدّر سنها ويخبرها بما هو أكبر من أن تستوعبه طفلة على حد قول أمها سارة ..
إلا أن الجد الطيب جهاد كان يقول لابنته بأنه لا بأس في أن تعرف الطفلة الحقائق حتى وإن كانت مرّة .


قالت فجر :
"جدي .. كيف استطعت العيش طويلاً ؟"
قال الجد :
"بالحذر .. والمحبة"
ثم استدرك : "صغيرتي كوني حذرة وكوني مُحبة"
"حسناً جدي"
الجد :
"يا لك من عصفورة رائعة"
"جدي .. قالت أمي أنك لم تعش في المدينة الشمالية مثلي !"
"أجل يا عزيزتي"
"لماذا ؟! أين كنت عندما كنت في عمري ؟!"
"لقد كنا في قرية الزيتون"
"أين هي الآن ؟!"
"لقد تلاشت"
"كيف ذلك ؟"
"حسناً صغيرتي .. أصغي إلي جيداً"
"حسناً"
"عندما كنت صغيراً .. كان لدى جدي بستانٌ جميل جداً .. لقد كانت ظلاله وارفة .. وكان فيه العديد من أنواع الفاكهة والخضرة ، وكان يمر بجانب البستان نهر صغير .. تسبح فيه السمكات الصغيرة .
وأيضاً كان لدينا حصانين أحببتهما كثيراً .. ولقد أطلقت على أحدهما اسم (( جواد )) .. وكان هناك بعض الدواجن ..
وكان أبي وعمي دائماً ما يساعدان جدي في الحصاد .. فجدي لم يكن يحب أن يحضر عمال .. أو بالأصح لم يكن يملك المال الكافي لإحضارهم .. لذا فقد كان سكان القرية يتعاونون في موسم الحصاد ..
لم يكن هناك أطفال كثر في قريتنا .. لقد كنا ثلاثة أنا وجدتك وابنة جارنا"
"ماذا كان اسمها ؟"
"لقد كانت تُدعى هاجر"
"كاسم معلمتي"
"يا لك من مشاكسة ..لقد قاطعتني .. أين وصلت ! آه .. تذكرت ..
كان بجانب القرية تل صغير .. عندما تكونين أعلاه فإنك ترين كامل القرية .. لقد كان منظراً جميلاً للغاية يا صغيرتي"
"أريد أن أرى مدينتنا من الأعلى أيضاً"
ضحك جهاد .. وقال :
"عزيزتي إن هذا مستحيل الآن"
"لقد أخبرتني أمي أنه لا يوجد ما هو مستحيل !"
"آه .. أمك .. كلا إن المستحيل موجود .. إنه غير موجود فقط في قاموس نابليون"
"ومن هو نلبيون هذا ؟"
ضحك :
"إنه نابليون يا عصفورتي وليس نلبيون"
"لا يهم .. المهم من هو ؟"
"إنه قائد عظيم .. أو إن البشر يظنون أنه عظيم بالرغم من أنه لا يوجد فرق بينهم وبينه .. ولكن لأنه حذف المستحيل من قاموسه أصبح عظيماً"
"أريد أن أصبح عظيمة أيضاً .. جدي"
"كوني !"
"كيف أحذف المستحيل من قاموسي ؟"
"كل ما عليك فعله .. هو أن تري المدينة الشمالية كاملة من الأعلى .. وستصبحين عظيمة"
"حقاً ؟!"
"أجل .. ومن غير ريب"
"هذا بسيط"
"إذاً أريني .. ما يمكنك فعله !"
"حسناً جدي أعدك بأنني سأصبح عظيمة"
"أنا أنتظر ذلك اليوم يا صغيرتي"
"حسناً جدي .. أكمل القصة"
"أوه .. لقد نسيت أين وصلت !"
"لقد كبرت يا جدي .. إنك تنسى كثيراً"
"كـلا يا فجر .. صحيح أنني كبرت في السن .. لكن لم أفقد ذاكرتي بعد .. إنها قوية كالحديد"
"وكيف للذاكرة أن تكون كالحديد !"
"لا يهم .. دعيني أكمل"
"حسناً"
"اممم .. وكنا دائماً ما نلعب أعلى التل ..
و ذات يوم .. كانت هاجر مصابة بالحمى .. لقد حزنّا من أجلها .. لكن هذا لم يمنعنا من أن نصعد التل ونلهو هناك ..
كنت أحفر في الأرض مع ابنة عمي .. وفجأة .. سمعت صوتاً هائلاً .. وقد توقفت جدتك عن الحفر .. فرفعت رأسي لأرى ما حدث"
"هل هي جدتي أم ابنة عمك ؟"
"يا مشاكسة .. أخبرتك مراراً ألا تقاطعينني"
"آسفة جدي .. لن أكررها"
"ابنة عمي هي جدتك"
"لم أكن أعرف .. حسناً .. أكمل جدي"
"أين وصلت ! .. آه .. أجل .. وعندما رفعت رأسي"
"أبي ما الذي تقوله لفتاة لم تتجاوز العاشرة بعد ؟!!"
قالت سارة بعد أن أتت لتحضر دواء أبيها .. وقد غضبت بعدما رأت أن فجر وقد كانت خائفة ..
"وماذا في ذلك .. سارة ؟.. لقد أخبرتك بهذا عندما كنت في سنها"
"أجل لقد أخبرتني .. ولكن ماذا حدث بعدها ! لم أستطع النوم ليلتها"
"ولكنها ستنام .. أليس كذلك عزيزتي فجر .. ستنامين ؟"
"أجـل جدي .. سأنام"
"أرأيت ؟ ستنام"
"أبي .. أرجوك ... إن هذا سيرعب الصغيرة"
"هيا عزيزتي فجر فلنذهب لنستعد لحفلة الليلة"
"لا أريد .. أريد أن أعرف ماذا حدث ! ماذا كان الصوت ؟ و لماذا توقفت جدتي عن الحفر ؟"
ثم قالت تستحث جدها :
"هيا جدي .. أكمل"
"يا لك من عنيد يا أبي" قالتها سارة .. واندفعت غاضبة إلى المنزل ..


"حسناً صغيرتي .. عندما رفعت رأسي لأرى ماذا حدث ..
لقد كان دوّي الطائرات مرعباً .. وكانت السماء مُحْمرّة .. والأرض .. لم أستطع أن أرى شيئاً .. لقد ثارت الأتربة في كل مكان .. والأشياء تتطاير من كل مكان .. والناس هلعون جداً .. لقد كانوا يركضون ويصرخون"

"تدمر كل شيء .. البساتين المنازل الطينية المتواضعة .. المسجد .. كل شيء .. كل شيء .. أصبحت القرية والبساتين كالصريم ..
بعدها غادرت الطائرات ..
وبينما نحن ننظر بهلع إلى كل هذا ..
طفلان صغيران لا نفقه شيئاً ..
سمعنا صوت محرك سيارة .. فأجفلت أنا وإيمان ..
ولكن لحسن حظنا .. فقد كان في أعلى التل شجرة زيتون كبيرة .. وبما أننا اعتدنا على اللعب هناك .. فقد اعتدنا تسلقها .. وأصبح تسلق تلك الشجرة بالنسبة لنا أمراً سهلاً"
"وما كان ذلك الصوت ؟"
"لقد كان صوت ناقلة جند .. بعد أن قاموا بتدمير كل شيء بالطائرات .. أرسلوا الجند ليتأكدوا بأن أحداً لم ينجو"
"يا إلهي .. هل قتلوك جدي ؟"
"وكيف ترينني أمامك ؟"
"آه .. لقد نسيت بسببٍ من خوفي"
"لا بأس يا صغيرتي"
"حسناً .. وكيف نجوتما ؟"
"لقد تسلقنا الشجرة قبل أن تصل الناقلة إلى قمة التل ..
ولضآلة أجسامنا .. فلم يشعروا بنا .. أو يرونا"
"الحمدلله"
"لقد بقينا طوال ذلك اليوم .. فوق الشجرة .. وبكينا كثيراً .. ونمنا قليلاً .. وأكلنا من الزيتون قليلاً أيضاً"


"وفي الصباح .. بعد أن هدأ كل شيء .. نزلنا من على الشجرة ..
وذهبنا إلى القرية .. إلى أمي وأبي .. إلى إخوتي .. إلى هاجر المسكينة ..
ماذا ؟!.. إنك تبكين !"
"كلا يا جدي .. لست أبكي"
"بلا إنك لتبكين .. لا تقلقي .. فالبكاء شيءٌ حسن"
"أكمل .. جدي"
"لم نجد شيئاً على حاله .. لم نستطع التعرف على أحد .. لم نتعرف على منزلنا ولم نستطع التفريق بين الأشياء .. والناس .. كلهم سواء .. كل شيء متساوي .. كل شيء مدمر ..

وعندما ذهبنا للنهر لنشرب القليل من الماء ..
وآسفي .. لم أجد ماءً ..
لقد تحول النهر الفرات إلى دماء ..
وسمعت وقع خطىً خلفي ..
وأجفلت من الذعر ..
ظننت أنهم أتوا ليقضوا علي وعلى جدتك"
"يا إلهي"
"ولكن .. عندما التفت إلى الوراء .. وجدت أن القادم عمي"
"حمداً لله"
"أجل .. الفضل لله .. لقد ذهب عمي في اليوم المشؤوم إلى المدينة ليبيع المحصول كما قد كلّفه جدي ..
وها هو قد عاد .. ولكن .... لم يجد شيئاً مما كان يُدعى قرية الزيتون ..
لقد ركضنا إليه .. ضمّنا .. وبكينا ..
لقد سفحنا من العبرات .. ما أسأل الله ألا يحوجك يا صغيرتي لسفحها ..
بعدها .. هدّأ عمي من روعنا ..
وأخذنا معه إلى المدينة"
"ومن هم الذين دمروا القرية يا جدي ؟"
"إنهم اليهود الأنذال"
"أريد أن أقتلهم يا جدي"
"يا صغيرتي العزيزة .. إن هذا مستحيل"
"ألم تقل لي قبل قليل أنه لا يوجد ما هو مستحيل ؟"
"بلا لقد قلت .. ولكن المستحيل ليس موجوداً إلا في قاموس الحمقى .. والعرب حمقى يا صغيرتي"
"ولكني لست حمقاء .. وأنا عربية"
"بلا يا صغيرتي ... ألم تقولي لي بالأمس أنك لا تحبين عائشة لأنها باكستانية ؟"
"أجل يا جدي"
"حسناً .. صغيرتي .. هذه الحماقة عينها"
"لكن يا جدي لا أحبها"
"لماذا ؟"
"ليس لشيء .. وإنما ....."
"دعيني أخبرك .. لأننا حمقى .. فنكره بلا سبب .. إننا نبغض الجميع .. ونحب القليل .. وهذا خطأ .. يجب أن نحب الجميع ونكره المسيء"
"هل تكره أحداً جدي ؟"
"أنا لا أكره إلا اليهود .. وليس كلهم بل الأشرار منهم"
"أنا أيضاً .. مثلك جدي"
"أنت رائعتي الصغيرة"
ثم استطرد :
"وعائشة هل أحببتها الآن ؟"
"أجل جدي .. لقد فكرت في سبب يجعلني أكرهها .. لكني لم أجد .. إنها دمثة الخلق .. طيبة القلب .. ولكن الجميع يكرهها"
"أحسنت يا عصفورتي"
جاءت سارة .. وقد اغتبطت عندما رأتهما سعيدين ..




بعدها ذهبت فجر مع والدتها لحفلة قد أقامتها إحدى جاراتهم .. وبقي الجد في المنزل .. غارقاً في كتبه .. وعندما عادتا من الحفلة .. كانت صحة جهاد قد تردت قليلاً .. قلقت سارة كثيراً .. ولم تخبر فجر بهذا .. و خلال أسبوع .. كانت صحة الجد في تدهور مستمر ..
و عند بزوغ فجر أحد الأيام طلب الجد رؤية فجر .. لقد أراد أن يرى فلذة كبده الصغيرة .. الفتاة التي أحبها ..

قالت :
"جدي .. هل أنت بخير ؟!"
"أجل يا عزيزتي .. أنا بخير .. لا تقلقي .. فقط ..."
"فقط ! فقط ماذا ؟"
"فقط سأموت بعد قليل"
"ستموت ؟"
"أجل .. إن الموت ليس شيئاً يا عزيزتي .. الشيء الرهيب ألا نعيش .. يالها من سعادة أنني أموت وأنت بجانبي .. يا عصفورتي"

كانت تنتحب ..
"لا تبكي .. ليس ثمة ما يدعو إلى البكاء .. إنني لا أريدك أن تعيشي حياة بائسة .. إنني أموت وأنا مطمئن .. فأنت عالمة الآن .. وأنا واثق بأنك سترين المدينة بالكامل ذات يوم .. حينها تذكريني "
لفظ الشهادة .. مات ..

عام 2042 م

في آخر طابق من طوابق أعلى ناطحة سحاب في المدينة الشمالية .. وقفت صاحبة هذه البناية في يوم افتتاحها .. وقد كانت في عقدها الرابع .. كانت تنظر إلى المدينة ..
ولو رأها أحد مرؤوسيها في ذلك الوقت .. لما صدق ما رأته عيناه .. فقد كانت مديرته الشديدة الصارمة .. تبكي ! .. وفي يدها صورة لشيخ .. كان وسيماً بالرغم من التجاعيد التي ملأت وجهه .. وكان الناظر إليها وإلى الصورة يقول بأن هذا الشيخ هو والدها لشدة شبهها به .. وقد كُتب في ظهر الصورة .. بخط جميل ..

عصفورتي فجر ...
كوني مُحبة ...




تمت .......





ختاماً ...
أرجو أن تكون القصة قد نالت على استحسانكم ..
حقيقةً لم أجد عنواناً مناسباً لها ..
آراؤكم في عنوان جميل لها ..

وأشكر كل من دعمني وشجعني على هذه القصة ..
بالأخص .. صديقتي الغالية كنز الشوق التي لولاها لما قرأتم القصة ..
وأشكر أيضاً أستاذي الفاضل ملك القراصنة ..
ورفيقة دربي ~ هيكآري ~


في أمان الله ..

العجوز والطريق [ قصة ]



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,,
بما أن هذا أول موضوع لي في المنتدى حبيت أنزل هذه القصة الرائعة ,,
فأتمنى أنها تنال على إعجابكم ,,
ما أطول عليكم هذه القصة ,,



العجــــــــوز والطـــــريــــق


فيما كنت أتمشى وكلبي بجانب التلة محاولاً مجاراة سرعته بصعوبة صعودها , وعندما بلغنا الجانب الآخر
من التلة وقع بصري على حافلة المواصلات العامة تقف في المحطة المجاورة . رأيت الرجل العجوز – لم
أكن أعرف اسمه – على الرغم من أنني أستطيع تمييزه من شكله إلى حد ما , لمحته وهو يمر من خلف
الحافلة , ثم وهو يقف إلى جانب الرصيف رافعاً رأسه ينظر بعينين طارفتين نصف مفتوحتين إلى شمس
الأصيل , ثم يشيح بوجهه وهو يفرك عينيه وكان يبدو كما لو كان أحول , وفي نفس الوقت بدأ يهم بعبور
الشارع , وفجأة ظهرت سيارة ( فان ) نوع هايلوكس تنطلق مسرعة صوب الرجل قادمة عبر انحناءة الشارع
الذي يطوق تلك التلة كما الأفعى .

حاولت ان أصيح محذرا الرجل العجوز , لكن يا للهول ! كانت محاولتي متأخرة جداً , ففي جزء من الثانية
صدمته السيارة المنحدرة من قمة التلة كما الإعصار , كانت صدمة عنيفة , قذفت به إلى جانب الحاجز
الحجري عند حافة الشارع , حيث ارتطم بشدة ثم تدحرج وتقلب حتى استقر بلا حراك عند ممر المشاة .
كان مشهداً درامياً مريعاً , اختلط صوت الارتطام بصوت صرير عجلات السيارة وهي تحاول جاهدة تفاديه ,
ثم رأيت السيارة تتوقف بعنف إلى جانب الشارع , فترجل منها رجل قوي البنية , كان أشعث مغبرّاً يبدو
من ثيابه التي تلطخها آثار الإسمنت أنه عامل بناء أو ممّن يشتغلون في صب الخرسانة المسلحة .
عبرت الشارع ثم ربطت مقود كلبي حول إحدى أعمدة السياج ... انحنيت أحدق في الرجل العجوز المُلقى
على الأرض , كان ممدداً بلا حراك ... اقترب منا عامل البناء وانحنى يتفحص الرجل وقال لي :

- تباً لم أره , لقد فوجئت به يركض نحوي مباشرة !
- نعم , شاهدته وهو يركض نحوك , من الأفضل استدعاء الإسعاف .

أخرج هاتفه النقال من غمده الجلدي واتصل بالطوارئ ... سمعته يعطي وصفاً دقيقاً لما حدث , ثم أغلق
هاتفه ... انحنيت أكثر على الرجل العجوز ثم قلت :

- أعتقد أنه ينبغي تمديده على أحد جانبيه .
- هل تظن أنه ما يزال حياً ؟
- لا أدري .. يبدو لي أنه لا يتحرك .

دفعته برفق معدلاً وضعه , نعم ... إنني أعرف هذا الرجل , إنه الرجل العجوز الذي كان يقضي جل يومه يهيم
في الطرقات , منقباً في حاويات النفايات , عن الطعام وبعض المخلفات الأخرى . غير أن الأغرب من ذلك أن
الكل يعلم أنه ثري جداً .. لكنه لم يكن يغتسل بانتظام , لذلك يمكنك أن تشم رائحته من مسافة عشرة أمتار
تقريباً . وهاأنذا الآن أشتمها , يالها من رائحة نتنة !! بدا وجهه كأنه لم يعرف شفرة الحلاقة أبداً , وشعره
الخشن يكاد يلامس عينيه المتسختين , وقد تركت السنوات العجاف آثارها الثقيلة على وجهه المجعد . كان
من الصعب تقدير عمره , لكن دعنا نفترض أنه في العقد السابع . اقترب عامل البناء مني أكثر ثم ابتدرني
قائلاً :
- لا يتنفس , أليس كذلك ؟
- أعتقد ذلك , هل تعرف كيف تجري له تنفساً اصطناعياً ؟
- ليس لدي أدنى فكرة عن ذلك , ماذا عنك ؟

لم أقل شيئاً لبرهة من الوقت , كنت أعرف مبادئ عملية التنفس الاصطناعي , لقد شاركت في دورتين منذ
مدة طويلة جداً . لكنني الآن وأنا أحدق في الرجل العجوز المتسخ , لم تكن فكرة محاولة إجراء التنفس
الاصطناعي فكرة محببة إلى نفسي . إلى جانب أنني لم أكن متأكداً مما يجب علي فعله بالضبط . كنت
مرتبكاً , وأصدقك القول إنني لم أجهد نفسي في أي محاولة تذكر لتذكر الطريقة , فقلت لعامل البناء :

- لست متأكداً , أعتقد أنه يجب الضغط على الصدر ... لست متأكداً تماماً . أعتقد أنه من الأفضل انتظار
الإسعاف .

من الأفضل ألا أحشر نفسي في أمر أنا لست متأكداً منه وليست لي فيه ناقة ولا جمل , لكني نظرت إلى
أسفل , إلى حيث الرجل العجوز مضطجع على الأرض بلا حراك , وتساءلت في نفسي إن كان قبل وصول
الإسعاف . كان وجهه يميل إلى الزرقة فقد كنت على الأقل أعلم أن أول شيء يجب علي فعله هو تمديد
المصاب على أحد جانبيه ثم إمالة الرأس إلى الوراء قليلاً . لكنني إذا فعلت ذلك ينبغي علي تطبيق الخطوة
التالية والمهمة وهي منحه قبلة الحياة , وكان مجرد التفكير في ذلك يبعث القرف والاشمئزاز والغثيان إلى
نفسي , فقلت :

- أعتقد أنه لا يتنفس , ربما يكون لسانه قد انحشر فأغلق مجرى التنفس , أو ما شابه ذلك... لا أدري .
- أمِل رأسه إلى الوراء قليلاً .

وضعت أذني بالقرب من فمه لأسمع ما إذا كان يتنفس , لا شيء ...لكن من المؤكد أنني أستطيع أن أشم
رائحته الكريهة . بدأت أشعر بالقلق , وكنت علم اليقين أن بإمكاني إجراء تنفس اصطناعي له , قد لا تكون
المحاولة على النحو الصحيح , لكن قد تنقذ حياته . وبدلاً من ذلك شعرت بحرج عظيم وأنا أفكر فقط .. مجرد
تفكير في وضع فمي في فمه ...ذلك الفم الذي يحمل تلك الأسنان السمراء اللون , والذي تنبعث منه تلك
الرائحة الكريهة , ربما أصاب بالإيدز أو بمرض داء الكبد الوبائي من نوع ( ب ) , غير أن الأمر الأكبر من ذلك ,
إنه يتعلق بمفهوم ملامسة فمي لفمه , عملية التنفس – فم لفم – رجل عجوز على درجة عالية من
النتانة ... ببساطة لا أعتقد أن بإمكاني إجراء هذه العملية . أضف إلى ذلك من المؤكد أن الإسعاف لن يتأخر.
ومن يدري , فقد يكون قد توفي سلفاً , إذن فما الفائدة من وضع فمي في فمه !! ابتدرني عامل البناء قائلاً
كأنه قرأ أفكاري مؤكداً على تمنعي :

- يا إلهي تصدر منه رائحة كريهة .
- نعم , إنه يقضي جل وقته في نبش النفايات .
- أو تعرفه ؟
- شيء من هذا القبيل , لقد رأيته مراراً في الجوار , أتمنى ألا يتأخر الإسعاف , ربما سيتوفى في
غضون الوقت الذي سيستغرقه الإسعاف في الوصول إلى هنا .

في هذه الأثناء مرت امرأة أربعينية بجانبنا , كانت قد خرجت للتو من منزل مجاور , راعها منظر الرجل العجوز ,
فقالت بنبرة ممزوجة بالقلق والشفقة :

- هل هو بخير ؟
أجبتها دون أن أرفع رأسي :
- لا أعتقد ... يبدو أن تنفسه قد توقف .
- فليقم إذن أحد ما بإجراء تنفس اصطناعي له ... عن طريق الفم . لقد رأيت ذلك في التلفاز ,
هل تعرف كيف تقوم بذلك ؟

وبنبرة حازمة أجبتها بالنفي , إلا أن عامل البناء حدجني بنبرة مريبة , ثم قال بنبرة لينة وبصوت يميل إلى
الهمس :

- لا ألومك يا أخي .

لم تسمع المرأة ذلك , كنت أشعر وقتها أن وجهي يحمر خجلاً , كنت أدرك في قرارة نفسي أنه كان ينبغي
أن أحاول إنقاذ حياته , لكنني لم أطق وضع فمي في فمه . ونظرت إلى الأسفل مرة أخرى لعلني أعيد النظر
في هذا الأمر . كنت أستطيع رؤية أسنان مهمشة بنية اللون من فرط تراكم الأوساخ , وكنت أرى أيضاً لحية
خشنة يلتصق شعرها بعضه ببعض بسبب الوسخ , وسبلة بيضاء لم تحلق منذ زمن طويل . قررت التزام الصمت
محاولاً إخلاء نفسي من هذه المسؤولية ... دنت المرأة مني أكثر , وقالت :

- قد يتوفى قبل وصول الإسعاف إذا لم يكن قادراً على التنفس .
- لقد كنت أتمشى مع كلبي فقط , قد يكون هناك طبيب في الجوار .
- نعم إن عيادة الطبيب في المركز التجاري , سوف أدخل إلى منزلي للاتصال به .
ابتدرها عامل البناء قائلاً :

- لدي هاتف جوال هنا , ما هو الرقم ؟
- سوف أدخل حالاً للبحث عن الرقم .
- سوف آتي معك .
رافقها الرجل إلى منزلها فيما وقفت بجانب جسد الرجل المسجى , آملاً أن يمر بنا شخص يعرف طريقة إجراء
تنفس الاصطناعي . أين الناس ؟ لماذا لا يهب أحد لمساعدته ؟

استلزم وصول الإسعاف حوالي خمس عشر دقيقة ... كنا أربعة أشخاص نقف إلى جانب الرجل العجوز نحدق
فيه ببله مقيت . تراجعت إلى الوراء ووقفت بعيداً أراقب رجل الإسعاف وهو يجذب أداة بلاستيكية بسرعة ويجري
بواسطتها عملية التنفس الاصطناعي للرجل العجوز . تراجعت إلى الوراء حتى وصلت إلى السور وجلست
بالقرب من الحاجز حيث ربطت كلبي أراقب الوضع عن كثب , تلا ذلك صوت الشرطة , ثم توافد عدد غير قليل
من المتفرجين , لماذا لم يأتوا من قبل حينما كان وجودهم ضرورياً للمساعدة ؟ كان عامل البناء يتحدث إلى
الشرطة , ثم رأيته في تلك الأثناء يشير بيده ناحيتي . تقدم نحوي أحد رجال الشرطة وسألني إن كنت رأيت
ما حدث , قلت له :

- نعم لقد شاهدت الرجل وهو ينزل من الحافلة . ولاحظت أنه يبدو كما أنه فوجئ بأشعة الشمس
مسلطة على عينيه , ثم شاهدته يتقدم فجأة في اتجاه التايوتا . وحاول سائق السيارة جاهداً تفاديه
لكنه لم يفلح .

دون الشرطي كل تلك التفاصيل , إلا أنني كنت أجد صعوبة بالغة في التركيز , وأنا أحاول الاستماع إلى رجال
الإسعاف في الوقت نفسه . وأخيراً سمعت أحدهم يقول :

- لقد تسبب لسانه في اختناقه . لو قام شخص بتعديل وضعيته إلى أحد جانبيه , لربما كان الآن على
قيد الحياة .

وضعوه على النقالة , ثم حملوا الجثة إلى سيارة الإسعاف ... بدأت الجمهرة تخف بالتدريج ... فرغ الشرطي
من استجوابي , وقمت بفك وثاق الكلب محرراً قيوده , وغادرت المكان مع كلبي , وطفقت أحدث نفسي
مراراً وتكراراً :

- كان بإمكاني إنقاذه ... كان بإمكاني إنقاذه !

كنت أتخيل الرجل العجوز خلال الأيام القليلة التي أعقبت الحادثة , وكيف طاوعتني نفسي على تركه يموت
دون أن أحاول تقديم المساعدة له من أجل إنقاذ حياته وما ذلك إلا بسبب عجرفتي , وشعوري بالتعالي و
نفوري وكرهي وخشيتي من التلوث بقذارته . شعرت حينها بالاشمئزاز من نفسي ومن تصرفي الأرعن ,
وبدأت أفكر كيف سيكون الوضع إذا ترك أحد ما جدي مثلاً يختنق بلسانه حتى الموت بحجة أنه لا يريد التعامل
مع رجل نتن الرائحة ؟ إن ذلك الرجل العجوز كان أباً وجداً , وفي وقت قريب سوف أعرف المزيد عنه .
تلقيت بعد أربعة أيام من تلك الحادثة مكالمة هاتفية :

- هل أنت ريجي غرين ؟
- نعم , معك ريجي غرين , تفضل .
- مرحباً لقد حاولت جاهداً تعقبك وذلك من أجل دعوتك للمشاركة في مراسم جنازة هاري دير .
- متى ستقام مراسم الدفن ؟
- بعد غد الساعة العاشرة صباحاً , في الكنيسة الإنجليزية . أرجو أن تشرفنا , لأنني أود مقابلتك
لأمر مهم .
- حسناً , في الواقع أنا لا أهتم كثيراً بالمشاركة في الجنازات , لكني أشعر أنني خذلت هاري ,
ولا أريد أن يحدث أي تقصير آخر من قبلي ... حسناً سوف آتي , بالمناسبة كيف استطعت العثور
علي ؟
- في الحقيقة تحدثت مع رجال الإسعاف , ثم تحدثت مع بعض الناس الذين يعيشون في الجوار .
لقد تعرف بعضهم عليك . هل لديك أي مانع ؟
- لا , لا , إنه مجرد حب استطلاع .

وهكذا ذهبت لأشارك في مراسم الجنازة , جلست في مقعد الصف الأخير من قاعة الكنيسة , التي كانت
قاصرة على أقارب المتوفى . كان عدد الحضور قليلاً جداً , وتعاطفت من أجل الأسرة . غيرت مكاني مقترباً
أكثر من الصف الأول . كان ابنه جورج يقوم بعملية التأبين , الأمر الذي كنت أخشاه , فقد شغل هذا الهم
تفكيري طوال اليومين السابقين . ماذا لو اكتشفوا أنني قد تركت الرجل يواجه مصيره التعيس , فمات ؟
تقدم ابنه من المنضدة المخصصة لتلاوة الكتاب المقدس , كان يعتصره الألم , ويبدو أثره واضحاً على قسمات
وجهه , وكان يرتدي بذلة قاتمة اللون , وهكذا بدأ يتحدث عن والده :

- لعل معظم سكان هذا الحي يعرفون هاري دير , كانوا يعرفونه فقط من هيئته دون معرفة اسمه .
وكما تلاحظون أيها السيدات والسادة كيف أن عدداً قليلاً من الناس يشاركون الآن في تأبينه ,
تُرى ماذا يعتقد الناس عنه ؟
هلا سمحتم لي بالتحدث عن حياته لبضع دقائق . نشأ هاري إبان حالة الكساد التي شهدتها حقبة
ثلاثينيات القرن العشرين . لم يشهد أي واحد منا تلك الأوقات , ونحن لا نعرف عنها الكثير , بل حتى إن
معظم الشباب لا يدركون أنه قد حدث شيء من هذا القبيل قبل الحرب العالمية الثانية . فخلال حالة
الكساد الاقتصادي كان من الصعب إيجاد عمل , وأُجبرت آلاف العائلات على هجر منازلها والهيام على
وجوههم في الطرقات , كان يتعين على الآباء الذهاب إلى الغابات للبحث عن عمل , ليكسبوا عن طريقه
ما يسدون به رمقهم , لكن لم تكن هناك أي فرص عمل . كانوا يسيرون أياماً وليالي يحملون فؤوسهم ,
وأعتقد أنكم تعلمون ماذا يعني ذلك , لقد كانوا يقومون بأعمال غريبة , إذ كانوا يعيشون على أكل الكنغر
والولب والأفاعي والأسماك والحيوانات الميتة , وكل ما تقع عليه أيديهم . وقد استمر الكساد بدرجات
متفاوتة حوالي ستة أعوام عجاف . ومات الكثير منهم جوعاً , كانوا يرتدون ملابس ممزقة وأحذية بالية ,
وكان المشردون يهيمون على وجوههم في كل مكان , تضج بهم الطرقات . وتفككت أسر بسبب غياب الأزواج
في رحلة البحث عن العمل , وكان هؤلاء الأزواج لا يعودون إلى أسرهم في أغلب الأحيان . وأحياناً لا يعودون
لأنهم كانوا يشعرون بالعار من الاعتراف بعدم قدرتهم على التكفل بأسرهم . وفي بعض الأحيان كانوا يموتون .
وباختصار كان ذلك حال الناس إبان الكساد الاقتصادي .

صمت الابن لبرهة متفرساً وجوه الحضور ثم استطرد قائلاً :

- لقد عاش هاري خلال ذلك الكساد الاقتصادي كمراهق , وكم عانا من لسعات الجوع , كان يذهب
إلى المدرسة حافي القدمين , عاشوا في اسطبل للخيل لمدة ثلاث سنوات , وعندما بلغ الثالثة
عشرة ذهب للعمل من أجل إعالة إخوانه وأخواته . كان أبوه قد ذهب إلى الغابات محاولاً العثور على
عمل في مجال جز الخراف , وبعد عامين من البحث المضني العقيم والترحال المجهد , أنهى حياته
بإغراق نفسه في أحد الأنهار . فاضطر هاري للعمل في أحد المصانع بمعدل ثماني عشرة ساعة في
اليوم حتى بلغ سن دخول الجيش .

فيما كان الابن يسرد قصة والده المؤثرة , كنت أصغي بإمعان مبهوراً بقصة هاري دير , وكل الذي كنت أعرفه
عنه حتى تلك اللحظات هو أنه مجرد رجل عجوز نتن الرائحة . فعرفت أنه قاتل ببسالة في الحرب , وجرح
في بطنه حتى تم تسريحه في عام 1945 . وبسبب جرحه كان من الصعب عليه إيجاد عمل , لكنه استطاع
أن ينجح في مجال ما , وأنشأ أسرة , ثم كبر الأولاد وتزوجوا وتركوه . وبقي لمدة طويلة بعد وفاة زوجته التي
صرعها السرطان في البيت نفسه الذي اشتراه عام 1946 , والذي شيده في أرض كبيرة تبلغ أربع هكتارات ,
وتقع ضواحي المزدهرة من المدينة , وعندما تقدم هاري في العمر أصيب بمرض الزهايمر اللعين , وكثيراً
ما كان يفقد ذاكرته وكانت تنتابه حالات تشوش بسبب المرض . لكنه كان يتذكر بوضوح نشأته وما كابده
من معاناة وفقر وجوع في مدة الكساد , ويتذكر أطفاله المساكين الذين كانوا ينتظرون الرزمة الصغيرة التي
كان يحصل عليها من المصنع آخر الشهر مقابل عمله .

وفجأة أصبح كل شيء واضحاً بالنسبة لي , وتفهمت لماذا كان هاري يهيم في الطرقات متنقلاً من حاوية
نفايات إلى أخرى باحثاً عن علب الألمنيوم أو الزجاجات الفارغة . وأدركت أنه بسبب مرضه كان يعيش
الماضي . وكان الناس في مدينتنا يعاملونه كالمجذوم أو المنبوذ , ويحاولون تفاديه كما لو كان مجرماً خطيراً .

كنت أجلس في الكنيسة أصغي باهتمام إلى ابنه يحكي عن هاري حتى وصلت القصة إلى الحادثة التي
تسببت في مقتله . وكنت أشعر بالخجل أكثر وأكثر , وشعرت كأن النار تشتعل في أذني , وأنا أ{تجف
خوفاً لأنني كنت موقناً أنها لحظات حتى يخبر ابنه الجميع بالجرم العظيم الذي ارتكبته , وكيف رفضت
عملأي شيء لمساعدة الرجل العجوز . لكن ما حدث بعد ذلك كان أسوأ بكثير مما كنت أخشاه , عندما
واصل الابن القصة قائلاً :

- عندما ضربت السيارة هاري أطاحت به أرضاً وبدأ يختنق . ولم أكن هناك وقتها , لكنني استفسرت
عما حدث من سائق سيارة الإسعاف . في البداية أخبرني ألا أحد هب لتقديم العون لهاري , لأنهم يرون
فيه مجرد رجل عجوز نتن الرائحة ليس إلا . لقد صعقت وتألمت أشد الألم عندما علمت أن هناك أناساً
في مجتمعنا لا يضيرهم ترك رجل عجوز يخنقه لسانه حتى الموت دون بذل أي جهد لمحاولة إنقاذه .
ألححت في استفساري مع السائق , وفي النهاية أخبرني السائق بالحقيقة , أخبرني أن هناك شخصاً
واحداً تقدم إلى والدي وأجرى له عملية تنفس اصطناعي – فم لفم – وأن ذلك الرجل لم يرد أن يفصح عن
شخصيته , ولا يريد أن يكافأ مقابل هذه البادرة الطيبة , وهكذا طلب من سائق سيارة الإسعاف ألا يخبر
أحداً . إن ذلك الرجل هو السيد شارلي فاونتين , لقد فعل ما ينبغي أن يفعله أي مواطن محترم , وإن هذا
الرجل موجود معنا الآن , لن أقوم بالكشف عنه , لكنه معروف في المنطقة بكلبه من نوع البكسر . وفي
اليوم الذي توفي فيه والدي تصادف أن كان يتمشى مع كلبه , وعندما وقعت الواقعة ما كان منه إلا أن هب
مسرعاً عبراً الشارع , وحاول على الفور إنقاذ والدي . لكن للأسف لم يوفق , وكما تعلمون توفي والدي
في مكان الحادث . وفي الواقع إنني مهما فعلت فلن أستطيع أن أجازي هذا الرجل الشهم صاحب الكلب
البكسر , الذي حاول إنقاذ أبي , فقط أعتبره مثل أي رجل محترم . ولا يمكن لأسرتنا أن تتصور أبداً أن
يترك الناس والدي يموت مختنقاً بينما يقفون حوله ينتظرون الإسعاف , إنه لأمر محزن .

لم أنتظر لأسمع المزيد , وعلى كل حال اعتقدت أنه لم يتبقى الكثير الذي يقال . كان رأسي يدور وأصبت
بالغثيان من فرط شعوري بالذنب والخجل من نفسي . لماذا كذب رجل الإسعاف ؟ ... كذب على هذا
النحو ؟
نعم , لقد ذهبت إلى المقبرة لأشهد مراسم دفن الرجل العجوز , كنت أقف غير بعيد من الموقع , وتقدم
الابن إليّ وشكرني على صنيعي حسب اعتقاده , مصافحاً يدي بحرارة , وشاهدت الناس يحدقون نحوي
كأنهم يدركون حقيقة الأمر . ثم ابتدرني قائلاً :

- إنني ممتن لك لبذلك جهداً مقدراً من أجل إنقاذ والدي .
وتمتمت قائلاً في تلعثم :
- حسناً .. لا ينبغي ..ترك شخص ما .. ليموت دون محاولة إنقاذه .
- بالطبع , بالطبع .. بالمناسبة , سوف يتصل بك المحامي الخاص بي لاحقاً .
- المحامي لماذا ؟
خشيت أن المحامي يعرف الحقيقة , وهاهو الابن قرر الآن أن يرفع ضدي قضية. ولكنه انتشلني من
مخاوفي قائلاً :

- حسناً , لم يترك والدي أية وصية , لكننا نعتقد أنك يجب أن تحصل على شيء ما تقديراً لصنيعك .
- أوه .... لا لا ... إن ما فعلته فقط كان مجرد ... كنت أظن أن والدك معدم , أليس كذلك ؟
- حسناً .. لديه قليل من المال الذي استطاع ادخاره . لكنه يمتلك منزلاً وقطعة أرض . وأعتقد أن المنزل
لا يساوي شيئاً , فهو منزل متهالك ومتهدم , إلا أن قطعة الأرض تساوي ...
- أرجوك , إنني أفضل ألا تشملني التركة .. أرجوك .
- أجل , إنني أقدر ما تقوله , وأعجب بنزاهتك , لكننا نحسب أنه لو كان والدي ما يزال على قيد الحياة
لسرّه أن يمنحك هدية ما .
- لا , أرجوكم لا تكلفوا أنفسكم , إن ذلك ليس ضرورياً . أنا آسف لكنني يجب أن أستأذن للإنصراف .
- أشكر لك حسن صنيعك .
لم أنتظر لحظة , كنت أشعر أنني يجب أن أنصرف بسرعة . قصدت في اليوم التالي مقر الإسعاف , وطلبت
مقابلة السيد شارلي فاونتين . كنا نقف في الخارج بالقرب من سيارة الإسعاف النظيفة لدرجة اللمعان ,
لم يتعرف علي الرجل في بادئ الأمر , فابتدرته قائلاً :

- أنا الذي كنت في مكان الحادث الأسبوع الماضي .. الحادث الذي توفي فيه الرجل العجوز هاري ,
أتذكر ..؟
- أوه , نعم , تذكرت , أنت الذي كنت تصطحب كلباً , أليس كذلك ؟ أهلاً بك , تفضل , مالذي يمكنني
أن أقدمه لك ؟
- أريد فقط أن أعرف لماذا أخبرت ابن هاري أنني حاولت إنقاذ والده . وأنت تدرك أن هذا ليس صحيحاً ,
وأنني لم أفعل أي شيء لإنقاذه ! حدق شارلي فيّ للحظة , ثمن جال بصره في المكان كأنه يريد أن
يتأكد من عدم وجود شخص يستمع إلينا ثم أردف قائلاً :
- حسناً أو تعلم أن الابن ... ما هو اسمه ؟
- جورج
- نعم , نعم اسمه جورج , جاء لمقابلتي وأراد أن يعرف ما إذا كان يوجد أي شخص حاول تقديم
المساعدة لوالده .
- وهكذا أخبرته أنني من حاول إنقاذ...
- لا , أخبرته ألا أحد حاول إنقاذه . أخبرته أن والده كان ممدداً على الشارع بلا حراك إلى أن توفي
مختنقاً بلسانه .إن أي شخص ملم بمبادئ التنفس الاصطناعي , كان بإمكانه إمالة رأس الرجل
إلى الوراء ربما كان سينقذه وكان يمكن أن يكون على قيد الحياة الآن .

كان شارلي يحملق فيّ وهو يتكلم , لكنني كنت أعلم أنه يقول الحقيقة , على الرغم من أنها كانت حقيقة
مُرة . نظرت إلى العلامة المميزة المرسومة على قميصه , وتذكرت على الفور دورة إنقاذ المصابين في
الحوادث وعملية إجراء التنفس الاصطناعي للمصاب , التي سبق أن اشتركت فيها , نعم , وذلك كان أول
شيء درّسوه لنا . ثم قلت له :

- كان ابنه يقول للجميع أثناء مراسم دفن الجنازة إنني أجريت لوالده عملية تنفس اصطناعي
– فم لفم – في محاولة مني لإنقاذ حياته . لا أعرف من أين أتى بهذه الفكرة عني ؟

تحرك شارلي معدلاً حمله من قدم إلى أخرى , وبدا لي كما لو أنه يريد أن ينصرف إلى الداخل . مد بصره
إلى الشارع الرئيس ثم قال :

- كان الابن منزعجاً جداً عندما أخبرته ألا أحد قدم المساعدة لوالده . كان غاضباً وأجهش بالبكاء , وكان
في حالة يرثى لها . وأدركت إلى أي مدى كان الأمر مؤلماً بالنسبة له , فقررت أن أخفف من ألمه .
وأخبرته أن هناك رجلاً حاول تقديم المساعدة لوالده , لكن هذا الرجل لا يريد أن يعرف أي شخص ما
قام به , لأنه لم يكن يريد أن يمجده الناس كبطل , فهو يشعر أنه أدى واجبه , وأن ما قام به هو واجب
الجار تجاه جاره . وما إن قلت ذلك للابن , حتى أصر على معرفة ذلك الشخص , وكان لزاماً علي أن أذكر
له اسم أي شخص , الأمر الذي كان متعذراً عليّ , ثم فجأة تذكرتك , وقلت له : ( الرجل صاحب الكلب ) .
وأخبرته أنك إنسان متواضع ولا تريد أن يعرف أي أحد ما قمت به . أنا آسف إذا كان ذلك قد سبب لك
إحراجاً , لكن الواقع أن هذا جعل الأسرة كلها تشعر بحال أفضل عندما علموا أن والدهم لم يترك ليواجه
مصيره مختنقاً بلسانه حتى الموت وسط جمهرة من الناس يحيطون به يحدقون فيه ببلاهة ولم يقدموا
له شيئاً .

كنت أنظر إلى الأسفل , مطأطئاً رأسي خجلاً , أشعر بخجل عميق لدرجة أنني كرهت نفسي ,
فقلت له :
- نعم , نعم , فهمت , لا بأس في ذلك . أردت ... فقط أن أعرف ما حدث . ما فعلته كان صواباً .

صافحت يده بحرارة , ثم استدرت وانصرفت بقلب مثقل . لم أسمع عن عائلة هاري مرة أخرى إلا بعد مرور
ثلاثة أشهر تقريباً عندما تلقيت خطاباً من محاميه , يخبرني فيه أنه قد تم تقسيم التركة وأن نصيبي
10.000 دولار . وكان هناك صك مالي مرفق مع الخطاب , لم أصدق عيني , من المؤكد أنني قرأت الخطاب
بشكل خاطئ . وعندما نظرت بتركيز أكثر في الصك لم يكن المبلغ 10.000 دولار بل كان 100.000 دولار .

ذهلت وارتبكت , وملئت أسىً وحزناً . واتصلت بالمحامي في الحال , وبعد أن تجادلت معه لمدة 15 دقيقة
استسلمت . وأدركت أنه لا يستطيع فعل أي شيء لتغيير قرار العائلة . كان ذلك أمراً نهائياً , حسب قوله .
كان هاري ينتقل من مكب نفايات إلى آخر , يجمع علب الألمنيوم والزجاجات الفارغة , في الوقت الذي
تساوي الأرض التي كان يسكن فيها مليوني دولار . لقد أعطوني مائة ألف دولار . وشعرت بالاشمئزاز ,
وتمنيت لو كانت مائة دولار فقط , لأنها ستجعل ما سوف أقوم به أكثر سهولة .

وفي صبيحة اليوم التالي أودعت الصك في حسابي , وحررت شيكاً آخر بمبلغ 100.000 دولار لفائدة
جيش الإنقاذ , وكنت أدرك في دواخلي أنني إن احتفظت بهذا المبلغ فسيحرقني من الداخل , وسيدمرني
من فرط شعوري بالذنب , وشعرت أنني إذا احتفظت بهذا المال فهذا يعتبر سرقة , نعم , كان ذلك اليوم
الذي تحولت فيه إلى رجل ثري لمدة قصيرة من الوقت , نعم , كان ثراءً مادياً , لكنني بعد أن وهبت ذلك
المبلغ تحول الثراء إلى نفسي . وأصبحت رجلاً صحيحاً وقوياً عندما تخلصت من ذلك المال , وشعرت بأنني
ثري حقاً , لأن الرجل الثري في نظري هو ذلك الرجل الذي يستطيع أن يهب مبلغ 100.000 دولار .


القصة للكاتب الاسترالي (( ماركوس كلارك )) ,,
أتمنى لو تخبرونني ما رأيكم بالقصة ؟؟
وماذا استفدتم منها ؟؟