السبت، 26 نوفمبر 2011

مدينة الشمآل [قصة قصيرة] .. من Somya ~

بسم الله الرحمن الرحيم ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
كيف أحوال مبدعي أنميات الأفاضل ؟..
ان شاء الله يكون الكل بخير حال ..


قمت بكتابة قصة قصيرة ..
قد لا يراها البعض كذلك
وها أنذا أطرحها بين أيديكم ..
أتمنى أن تقرؤوها ..

وأرجو أن تعجبكم ..

على فكرة .. هذه أول حكاية من تأليفي ..

نبدأ في القصة ....







عــام 1996 م

كان يوماً مشرقاً في أواخر أيام نيسان الرائعة ، وفي المدينة الشمالية ، المعروفة بأحياءها الراقية ، والمنازل الرائعة ، ذات التصاميم الجميلة .

داخل أحد تلك المنازل ، و بجانب المسبح الصغير الذي يأخذ شكل البيضة ، جلست الفتاة الصغيرة جنباً إلى جنب مع جدها الشيخ الكبير .

على الرغم من سنها الصغير ، إلا أنها تحب الاستماع إلى أحاديث جدها .. وعلى الرغم من أنه لم يكن يقدّر سنها ويخبرها بما هو أكبر من أن تستوعبه طفلة على حد قول أمها سارة ..
إلا أن الجد الطيب جهاد كان يقول لابنته بأنه لا بأس في أن تعرف الطفلة الحقائق حتى وإن كانت مرّة .


قالت فجر :
"جدي .. كيف استطعت العيش طويلاً ؟"
قال الجد :
"بالحذر .. والمحبة"
ثم استدرك : "صغيرتي كوني حذرة وكوني مُحبة"
"حسناً جدي"
الجد :
"يا لك من عصفورة رائعة"
"جدي .. قالت أمي أنك لم تعش في المدينة الشمالية مثلي !"
"أجل يا عزيزتي"
"لماذا ؟! أين كنت عندما كنت في عمري ؟!"
"لقد كنا في قرية الزيتون"
"أين هي الآن ؟!"
"لقد تلاشت"
"كيف ذلك ؟"
"حسناً صغيرتي .. أصغي إلي جيداً"
"حسناً"
"عندما كنت صغيراً .. كان لدى جدي بستانٌ جميل جداً .. لقد كانت ظلاله وارفة .. وكان فيه العديد من أنواع الفاكهة والخضرة ، وكان يمر بجانب البستان نهر صغير .. تسبح فيه السمكات الصغيرة .
وأيضاً كان لدينا حصانين أحببتهما كثيراً .. ولقد أطلقت على أحدهما اسم (( جواد )) .. وكان هناك بعض الدواجن ..
وكان أبي وعمي دائماً ما يساعدان جدي في الحصاد .. فجدي لم يكن يحب أن يحضر عمال .. أو بالأصح لم يكن يملك المال الكافي لإحضارهم .. لذا فقد كان سكان القرية يتعاونون في موسم الحصاد ..
لم يكن هناك أطفال كثر في قريتنا .. لقد كنا ثلاثة أنا وجدتك وابنة جارنا"
"ماذا كان اسمها ؟"
"لقد كانت تُدعى هاجر"
"كاسم معلمتي"
"يا لك من مشاكسة ..لقد قاطعتني .. أين وصلت ! آه .. تذكرت ..
كان بجانب القرية تل صغير .. عندما تكونين أعلاه فإنك ترين كامل القرية .. لقد كان منظراً جميلاً للغاية يا صغيرتي"
"أريد أن أرى مدينتنا من الأعلى أيضاً"
ضحك جهاد .. وقال :
"عزيزتي إن هذا مستحيل الآن"
"لقد أخبرتني أمي أنه لا يوجد ما هو مستحيل !"
"آه .. أمك .. كلا إن المستحيل موجود .. إنه غير موجود فقط في قاموس نابليون"
"ومن هو نلبيون هذا ؟"
ضحك :
"إنه نابليون يا عصفورتي وليس نلبيون"
"لا يهم .. المهم من هو ؟"
"إنه قائد عظيم .. أو إن البشر يظنون أنه عظيم بالرغم من أنه لا يوجد فرق بينهم وبينه .. ولكن لأنه حذف المستحيل من قاموسه أصبح عظيماً"
"أريد أن أصبح عظيمة أيضاً .. جدي"
"كوني !"
"كيف أحذف المستحيل من قاموسي ؟"
"كل ما عليك فعله .. هو أن تري المدينة الشمالية كاملة من الأعلى .. وستصبحين عظيمة"
"حقاً ؟!"
"أجل .. ومن غير ريب"
"هذا بسيط"
"إذاً أريني .. ما يمكنك فعله !"
"حسناً جدي أعدك بأنني سأصبح عظيمة"
"أنا أنتظر ذلك اليوم يا صغيرتي"
"حسناً جدي .. أكمل القصة"
"أوه .. لقد نسيت أين وصلت !"
"لقد كبرت يا جدي .. إنك تنسى كثيراً"
"كـلا يا فجر .. صحيح أنني كبرت في السن .. لكن لم أفقد ذاكرتي بعد .. إنها قوية كالحديد"
"وكيف للذاكرة أن تكون كالحديد !"
"لا يهم .. دعيني أكمل"
"حسناً"
"اممم .. وكنا دائماً ما نلعب أعلى التل ..
و ذات يوم .. كانت هاجر مصابة بالحمى .. لقد حزنّا من أجلها .. لكن هذا لم يمنعنا من أن نصعد التل ونلهو هناك ..
كنت أحفر في الأرض مع ابنة عمي .. وفجأة .. سمعت صوتاً هائلاً .. وقد توقفت جدتك عن الحفر .. فرفعت رأسي لأرى ما حدث"
"هل هي جدتي أم ابنة عمك ؟"
"يا مشاكسة .. أخبرتك مراراً ألا تقاطعينني"
"آسفة جدي .. لن أكررها"
"ابنة عمي هي جدتك"
"لم أكن أعرف .. حسناً .. أكمل جدي"
"أين وصلت ! .. آه .. أجل .. وعندما رفعت رأسي"
"أبي ما الذي تقوله لفتاة لم تتجاوز العاشرة بعد ؟!!"
قالت سارة بعد أن أتت لتحضر دواء أبيها .. وقد غضبت بعدما رأت أن فجر وقد كانت خائفة ..
"وماذا في ذلك .. سارة ؟.. لقد أخبرتك بهذا عندما كنت في سنها"
"أجل لقد أخبرتني .. ولكن ماذا حدث بعدها ! لم أستطع النوم ليلتها"
"ولكنها ستنام .. أليس كذلك عزيزتي فجر .. ستنامين ؟"
"أجـل جدي .. سأنام"
"أرأيت ؟ ستنام"
"أبي .. أرجوك ... إن هذا سيرعب الصغيرة"
"هيا عزيزتي فجر فلنذهب لنستعد لحفلة الليلة"
"لا أريد .. أريد أن أعرف ماذا حدث ! ماذا كان الصوت ؟ و لماذا توقفت جدتي عن الحفر ؟"
ثم قالت تستحث جدها :
"هيا جدي .. أكمل"
"يا لك من عنيد يا أبي" قالتها سارة .. واندفعت غاضبة إلى المنزل ..


"حسناً صغيرتي .. عندما رفعت رأسي لأرى ماذا حدث ..
لقد كان دوّي الطائرات مرعباً .. وكانت السماء مُحْمرّة .. والأرض .. لم أستطع أن أرى شيئاً .. لقد ثارت الأتربة في كل مكان .. والأشياء تتطاير من كل مكان .. والناس هلعون جداً .. لقد كانوا يركضون ويصرخون"

"تدمر كل شيء .. البساتين المنازل الطينية المتواضعة .. المسجد .. كل شيء .. كل شيء .. أصبحت القرية والبساتين كالصريم ..
بعدها غادرت الطائرات ..
وبينما نحن ننظر بهلع إلى كل هذا ..
طفلان صغيران لا نفقه شيئاً ..
سمعنا صوت محرك سيارة .. فأجفلت أنا وإيمان ..
ولكن لحسن حظنا .. فقد كان في أعلى التل شجرة زيتون كبيرة .. وبما أننا اعتدنا على اللعب هناك .. فقد اعتدنا تسلقها .. وأصبح تسلق تلك الشجرة بالنسبة لنا أمراً سهلاً"
"وما كان ذلك الصوت ؟"
"لقد كان صوت ناقلة جند .. بعد أن قاموا بتدمير كل شيء بالطائرات .. أرسلوا الجند ليتأكدوا بأن أحداً لم ينجو"
"يا إلهي .. هل قتلوك جدي ؟"
"وكيف ترينني أمامك ؟"
"آه .. لقد نسيت بسببٍ من خوفي"
"لا بأس يا صغيرتي"
"حسناً .. وكيف نجوتما ؟"
"لقد تسلقنا الشجرة قبل أن تصل الناقلة إلى قمة التل ..
ولضآلة أجسامنا .. فلم يشعروا بنا .. أو يرونا"
"الحمدلله"
"لقد بقينا طوال ذلك اليوم .. فوق الشجرة .. وبكينا كثيراً .. ونمنا قليلاً .. وأكلنا من الزيتون قليلاً أيضاً"


"وفي الصباح .. بعد أن هدأ كل شيء .. نزلنا من على الشجرة ..
وذهبنا إلى القرية .. إلى أمي وأبي .. إلى إخوتي .. إلى هاجر المسكينة ..
ماذا ؟!.. إنك تبكين !"
"كلا يا جدي .. لست أبكي"
"بلا إنك لتبكين .. لا تقلقي .. فالبكاء شيءٌ حسن"
"أكمل .. جدي"
"لم نجد شيئاً على حاله .. لم نستطع التعرف على أحد .. لم نتعرف على منزلنا ولم نستطع التفريق بين الأشياء .. والناس .. كلهم سواء .. كل شيء متساوي .. كل شيء مدمر ..

وعندما ذهبنا للنهر لنشرب القليل من الماء ..
وآسفي .. لم أجد ماءً ..
لقد تحول النهر الفرات إلى دماء ..
وسمعت وقع خطىً خلفي ..
وأجفلت من الذعر ..
ظننت أنهم أتوا ليقضوا علي وعلى جدتك"
"يا إلهي"
"ولكن .. عندما التفت إلى الوراء .. وجدت أن القادم عمي"
"حمداً لله"
"أجل .. الفضل لله .. لقد ذهب عمي في اليوم المشؤوم إلى المدينة ليبيع المحصول كما قد كلّفه جدي ..
وها هو قد عاد .. ولكن .... لم يجد شيئاً مما كان يُدعى قرية الزيتون ..
لقد ركضنا إليه .. ضمّنا .. وبكينا ..
لقد سفحنا من العبرات .. ما أسأل الله ألا يحوجك يا صغيرتي لسفحها ..
بعدها .. هدّأ عمي من روعنا ..
وأخذنا معه إلى المدينة"
"ومن هم الذين دمروا القرية يا جدي ؟"
"إنهم اليهود الأنذال"
"أريد أن أقتلهم يا جدي"
"يا صغيرتي العزيزة .. إن هذا مستحيل"
"ألم تقل لي قبل قليل أنه لا يوجد ما هو مستحيل ؟"
"بلا لقد قلت .. ولكن المستحيل ليس موجوداً إلا في قاموس الحمقى .. والعرب حمقى يا صغيرتي"
"ولكني لست حمقاء .. وأنا عربية"
"بلا يا صغيرتي ... ألم تقولي لي بالأمس أنك لا تحبين عائشة لأنها باكستانية ؟"
"أجل يا جدي"
"حسناً .. صغيرتي .. هذه الحماقة عينها"
"لكن يا جدي لا أحبها"
"لماذا ؟"
"ليس لشيء .. وإنما ....."
"دعيني أخبرك .. لأننا حمقى .. فنكره بلا سبب .. إننا نبغض الجميع .. ونحب القليل .. وهذا خطأ .. يجب أن نحب الجميع ونكره المسيء"
"هل تكره أحداً جدي ؟"
"أنا لا أكره إلا اليهود .. وليس كلهم بل الأشرار منهم"
"أنا أيضاً .. مثلك جدي"
"أنت رائعتي الصغيرة"
ثم استطرد :
"وعائشة هل أحببتها الآن ؟"
"أجل جدي .. لقد فكرت في سبب يجعلني أكرهها .. لكني لم أجد .. إنها دمثة الخلق .. طيبة القلب .. ولكن الجميع يكرهها"
"أحسنت يا عصفورتي"
جاءت سارة .. وقد اغتبطت عندما رأتهما سعيدين ..




بعدها ذهبت فجر مع والدتها لحفلة قد أقامتها إحدى جاراتهم .. وبقي الجد في المنزل .. غارقاً في كتبه .. وعندما عادتا من الحفلة .. كانت صحة جهاد قد تردت قليلاً .. قلقت سارة كثيراً .. ولم تخبر فجر بهذا .. و خلال أسبوع .. كانت صحة الجد في تدهور مستمر ..
و عند بزوغ فجر أحد الأيام طلب الجد رؤية فجر .. لقد أراد أن يرى فلذة كبده الصغيرة .. الفتاة التي أحبها ..

قالت :
"جدي .. هل أنت بخير ؟!"
"أجل يا عزيزتي .. أنا بخير .. لا تقلقي .. فقط ..."
"فقط ! فقط ماذا ؟"
"فقط سأموت بعد قليل"
"ستموت ؟"
"أجل .. إن الموت ليس شيئاً يا عزيزتي .. الشيء الرهيب ألا نعيش .. يالها من سعادة أنني أموت وأنت بجانبي .. يا عصفورتي"

كانت تنتحب ..
"لا تبكي .. ليس ثمة ما يدعو إلى البكاء .. إنني لا أريدك أن تعيشي حياة بائسة .. إنني أموت وأنا مطمئن .. فأنت عالمة الآن .. وأنا واثق بأنك سترين المدينة بالكامل ذات يوم .. حينها تذكريني "
لفظ الشهادة .. مات ..

عام 2042 م

في آخر طابق من طوابق أعلى ناطحة سحاب في المدينة الشمالية .. وقفت صاحبة هذه البناية في يوم افتتاحها .. وقد كانت في عقدها الرابع .. كانت تنظر إلى المدينة ..
ولو رأها أحد مرؤوسيها في ذلك الوقت .. لما صدق ما رأته عيناه .. فقد كانت مديرته الشديدة الصارمة .. تبكي ! .. وفي يدها صورة لشيخ .. كان وسيماً بالرغم من التجاعيد التي ملأت وجهه .. وكان الناظر إليها وإلى الصورة يقول بأن هذا الشيخ هو والدها لشدة شبهها به .. وقد كُتب في ظهر الصورة .. بخط جميل ..

عصفورتي فجر ...
كوني مُحبة ...




تمت .......





ختاماً ...
أرجو أن تكون القصة قد نالت على استحسانكم ..
حقيقةً لم أجد عنواناً مناسباً لها ..
آراؤكم في عنوان جميل لها ..

وأشكر كل من دعمني وشجعني على هذه القصة ..
بالأخص .. صديقتي الغالية كنز الشوق التي لولاها لما قرأتم القصة ..
وأشكر أيضاً أستاذي الفاضل ملك القراصنة ..
ورفيقة دربي ~ هيكآري ~


في أمان الله ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق